سمعتها تتحدث هاتفياً مع ابنتها الوحيدة. أصغيت إلى نبرتها القوية، بل تطفلت، رغماً عني، على موضوع المحادثة. لم يكن الحوار يشبه فضفضة أو ثرثرة، من تلك الثرثرات المعهودة بين أم وابنتها. كان أشبه بأوامر عسكرية، يوجهها قائد إلى جندي تحت إمرته.
حين وضعت هاتفها في حقيبتها، التفتت إليَّ معتذرة عن الإطالة في الحديث، وشرحت لي أن ابنتها تقيم في مدينة أُخرى، وأنها تزوجت أجنبياً، وهي في انتظار مولودها الأول. وكان رد فعلي الطبيعي، أنني هششت وبششت وقلت لها: "إذن... ستصبحين جدَّة عمّا قريب"؟ خزرتني بنظرة باترة، وأبدت امتعاضها من القضية كلها. قالت إنها تكره هذا النوع من "المناسبات العائلية"، ولا تحب "المجاملات"، التي تفرضها عليها الأعراس والولادات وأعياد الميلاد. "مجاملات"؟
أهكذا تتحدث سيدة وقور، تقارب الستين، عن أجمل حدث يمكن أن تنتظره امرأة، أن تصبح جدَّة لطفل، أي أُماً لأُم؟ هل تخاف أن ينقلها لقب "جدَّة" من أرض الأُنوثة إلى أرض الشيخوخة؟ هل تكره الأعباء، التي قد تترتب على ذلك؟ وأي أعباء، مادامت الابنة والطفل الآتي، يقيمان في مدينة أُخرى؟ عادت إلى أُذني نبرة صوتها، وهي تحادث ابنتها على الهاتف. كانت نبرة ناشفة لا أثر للحنان فيها. بل إنني لم أُلاحظ أي نوع من أنواع التواطؤ الجميل، الذي يقوم في العادة، بين الأُم وابنتها، خصوصاً عندما تصبح الابنة امرأة بدورها، متزوجة وعلى وشك تحقيق تجربة الأُمومة. ظننت أن ابنتها قد تزوجت، خلافاً لإرادتها، أو أنها اختارت الزوج الغريب، وسافرت إلى حيث يقيم، ضاربة عُرض الحائط برغبات أُسرتها وبمبررات اشتياقهم إليها. لكن محدثتي أفاضت في امتداح صهرها، ووصفته بالعريس الممتاز، ووصفت ابنتها بالمحظوظة. وهنا، شممت في كلامها رائحة غيرة ما. هل يُعقل هذا؟ يا إلهي.
هل تغار امرأة لا ينقصها شيء، من فلذة كبدها الوحيدة؟ زاد فضولي، رحــت أدور حول فكرة الأُسرة وأستزيدها من الكلام. قالت إنها لم تنجب سوى طفلة واحدة، إرضاء لزوجها وأُسرته. "ولو كان الأمر عليَّ لَمَا أنجبت أصلاً. إنَّ الأُمومة لا تناسبني، ليست من طبعي". لم أكن أعرف أن الأُمومة طبع، أو أنها قد تناسب، أو قد لا تناسب. لكن هذه السيدة العجيبة، جاءت لتزيد إلى علمي علماً، وإلى دهشتي دهشة.
|